العنوان :
هروب الفتيات .. ظاهرة عالمية
عدد القراء : 3808
هروب الفتيات .. ظاهرة عالمية
الاختلالات الأسرية والإعلام السلبي ابرز أسبابة
هروب الفتيات ظاهرة عالمية تعاني منها كثير من المجتمعات العالمية ، وتشكل في بعضها أزمة حقيقية .. إلا أننا في المملكة لأسباب متعددة من أبرزها طبيعة المجتمع السعودي القائمة على التدين وكريم العادات والتقاليد لم تصل هذه المشكلة إلى حد الظاهرة ، لكن من المهم للغاية معالجتها نظراً لكونها تمس شريحة الفتيات أمهات المستقبل وتسئ لهذا المجتمع المسلم وإنسانيته ، ومنعاً لا استفحالها وما تؤدي إليه من أخطار اجتماعية وتفكك اسري ، وقبل ذلك كله تغليباً للرحمة والتواد بين أفراد الأسرة نواة المجتمع المسلم وذلك باستقصاء أسباب هذه الحالات وإيجاد الحلول العلمية لها . وبالنظر إلى هذه الحالات التي نرى العديد منها عبر الصحف اليومية نجد أنها نتاج خطا مشترك بين الفتاة وأسرتها وان تعددت أسبابه.
إن الآراء جميعها تكاد تتفق حول أسباب هذه القضية وسبل معالجتها . كما أن إيجاد الحل الأمثل لهذه القضية يستدعي تضافر جهود مؤسسات المجتمع الرسمية والأهلية لمعالجتها ، انطلاقاً من هاجس الاهتمام بالإنسان العربي ون منطلق توفير الرعاية الكريمة له ، وانطلاقاً كذلك من تعاليم الدين وقيم المجتمع التي تدفعنا إلى محاولة تنقيته من الشوائب والآفات المدمرة والظواهر السالبة التي تهدد أمنة وسلامته . ويصنف علماء الاجتماع هروب الفتيات إلى هروب معنوي حيث تنعزل الفتاة عن أسرتها في غرفتها بسبب قسوة المجتمع ألذكوري المتمثل في الأب والأخ وتعيش في عالم منفصل تماماً من خلال الانترنت والجوال ، وهناك الهروب المادي وهو محور هذا التحقيق وما سنتناوله من خلال طرح المشكلة على عدد من المختصين . وقد استطلعنا أراء عدد من الخبراء لمناقشة هذه القضية من جوانبها المختلفة لتسليط الضوء على أسبابها .
في البداية نستعرض قصة إحدى الفتيات التي بدأت إدمانها بعد انفصال والديها وهي في الحادية عشرة من عمرها ، عن طريق إحدى صديقاتها وجاراتها في الوقت ذاته والتي تكبرها بتسع سنوات حيث كانت تلجا إليها لحل مشاكلها ، وبدأت رحلة الادمان بسيجارة عادية ثم تطور إلى سرقة السجائر من والدها المدمن على الكحول ، وفي سن الثالثة عشرة بدأت محاولات هذه الفتاة في الهروب من منزلها بمساعدة هذه الجارة القريبة التي أوهمتها بمساعدتها على حل مشاكلها . فيما كانت إلام منشغلة بالزوج الجديد مهملة لأسرتها وأبنائها مما جعل من هذه الجارة الملجأ والملاذ للطفلة .
وتطور انحراف هذه الفتاة عندما بدأت تعاطي الحشيش والحبوب المخدرة . وتلا ذلك كنتاج طبيعي اضطراب في الشخصية ، وتكرار الهروب من المنزل في غياب الرقابة الأسرية . وإنشاء علاقات مع الشباب ، وإلقاء القبض عليها أكثر من مرة ، وكذلك محاولات متعددة للانتحار وغيرها من محاولات إلحاق الأذى بالنفس .
ولأخذ رأي المهتمين حول هذه المشكلة وكيفية مساعدة من يتعرضون لمثلها ونصحهم ؛ التقينا الأخصائية النفسية حصة الغامدي حيث تقول : هذه القصة نموذج لكثير من قصص التفكك الأسري أو كما يطلق عليها ( الأسر الموهنة ) والتي ينتج عنها اضطرابات وانحرافات مبكرة ، مثل هذه الفتاة بحاجة ماسة إلى قدوة في هذه السن ، وبحاجة كبيرة إلى من يسمعها ويوجهها ويساندها ويشعرها بوجودها وقيمتها .. فهي في مرحلة نمو نفسي وجسدي .. ولكن نتيجة التفكك الأسري اتجهت الفتاة إلى الشخص غير المناسب ( بنت الجيران ) وبدأت تحذو حذوها في الادمان ، وبالطبع اكتسبت الكثير من السلوكيات المنحرفة والمرتبطة بالإدمان مثل ؛ السرقة ، الهروب من المنزل ، العلاقات المحرمة ، إلى مرحلة التفكير بالانتحار .
ومن الواضح أنها أصبحت مندفعة في سلوكياتها ، وليس لديها القدرة على التحكم بانفعالاتها ، نظرتها لذاتها دونية وتفكيرها بالانتحار دليل على عمق معاناتها . وترى الأستاذة حصة أن المسؤولية هنا تقع على أسرتها ولكن لا فائدة من اللوم ، لان من الأفضل إلحاقها بأقرب مستشفى لتقديم العلاج المناسب لها من قبل فريق علاجي متكامل ، لتعديل كثير من أفكارها ومفاهيمها وسلوكياتها الخاطئة ، وهي في مرحلة عمرية حساسة ، وما تزال في فترة نمو مما قد يساعد في القدرة على التغيير بمرونة أكثر ، وكذلك توجيه وإرشاد إفراد أسرتها في أهمية ترابطهم وتقوية العلاقات بينهم لكي يؤمنوا للفتاة أسرة طبيعية قادرة على مساعدتها في العودة للعيش بطريقة سليمة .
من جانبه يقول الدكتور سلطان بن احمد الثقفي مدير ادارة الشئون الإعلامية بجامعة الأمير نايف العربية للعلوم الأمنية : لا أرى أن مشكلة هروب الفتيات يشكل ظاهرة كبيرة في المجتمع ، ولكن اعتقد أنها زادت حالياً عن الأعوام السابقة . إما الظاهرة في هذا الميدان فهي هروب عاملات المنازل من الجنسيات الوافدة بشكل كبير ومزعج للأسر والأجهزة الأمنية . وفيما يتصل بهروب السعوديات فحسب ، يرى دكتور الثقفي أن هناك جملة من الأسباب والدوافع وراء ذلك ، وان كانت لا تبرر ذلك السلوك المنحرف ، ومن أبرزها الاختلالات الأسرية الناجمة عن مشاكل وصراعات داخل الأسرة ، أو التسلط المفرط من قبل احد أو بعض إفراد الأسرة ، وفقدان الحنان وتجدر الحرمان العاطفي ، وغياب الرقابة الأسرية ، وانحلال الأسرة ، وغير ذلك من الأسباب التي أرى أيضاً أن من أبرزها الاختلاف الثقافي بين جيل الإباء وجيل الأبناء ، واعتقاد الجيل الكبير بان شباب وشابات اليوم لا يفهمون مصلحتهم وما إلى ذلك من مثل هذه الأقاويل ، في المقابل الأبناء والبنات يرون أن إبائهم تقليديون لا يفهمون لغة العصر ولا متطلباته ، ومن هنا ينشا الخلاف وتزداد الهوة بين جيل الإباء وجيل الأبناء ، خصوصاً إذا عرفنا أن مدارسنا وأسرنا لا تشيع فيها لغة الحوار والنقاش إنما الأمر والنهي هو الأغلب . كما أن الانفجار في عالم الاتصال والمعلومات زاد فرص الانفتاح على الغث والسمين وسرعة التواصل مع كل شي وأي شي في القرية البشرية المعاصرة .
وكذلك زيادة الإغراء والإغواء مع ضعف المقاومة النفسية أيضاً من العوامل التي تساعد على الهروب إلى عالم الانحراف عامة . ويختتم دكتور الثقفي حديثة قائلاً : من وجهة نظري ؛ لابد من تعزيز منظومة القيم لدي كل فرد ذكراً أو أنثى ودعم الحصانة الذاتية للإفراد والمجتمعات . فكلما تعززت منظومة القيم لدى كل فرد ودعمت المقاومة الذاتية والحصانة الذاتية للإفراد والمجتمعات ؛ كلما أدت الحصانة لدي الإفراد من الانحراف ودخلوا مرحلة الرقابة الذاتية على كل سلوكياتهم وتصرفاتهم . كما أن جيل الآباء ينبغي أن يكون أكثر انفتاحاً مع الأبناء خلال الحوار والقناع وتعزيز مفهوم الحصانة والرقابة الذاتية وتوفير أقصى ما يستطيعونه من الإشباع النفسي والعاطفي لكل احتياجات الأبناء والبنات . واخص البنات هنا لان المتاح من الترفية والترويح عن النفس لهن هو اقل مما هو متاح لغيرهن من شرائح المجتمع ، ولان البنت في الأساس هي مشروع أسرة ونواة عائلة كاملة .
ويؤكد الدكتور صقر بن محمد المقيد مدير ادارة التعاون الدولي بجامعة الأمير نايف ما ذهب إليه الدكتور الثقفي في أن هذه القضية لم تصل بعد إلى حد الظاهرة حيث قال : لا يمكن التسليم بان هروب الفتيات أصبح ظاهرة تستدعي الانتباه سيما وانه توجد إحصاءات دقيقة ، وهذا لا يمنع وجود العديد من الحالات الفردية ، وهذه الحالات بحاجة إلى دراسات مستفيضة للوقوف على المشكلات واقتراح الحلول اللازمة لها .
ويسترسل الدكتور المقيد في الحديث قائلاً : أن الاستسلام لأي شكل من إشكال التمرد المجتمعي هو خمول فكري ، إننا نعيش في عالم متصارع ولا يمكن التحكم في إفرازات هذا العالم وما يصاحبها من تغيير ، ويرتبط التغير الاجتماعي بمجموعة من المصطلحات كالتطور والتقدم والتنمية ، غير انه يختلف معها في نقطة واحدة وهي أن التغير مصطلح محايد لا يدخل في حكم الإنسان علية ، كما يحمل في الوقت نفسه سمات الإيجاب والسلب ، فلا بد إذن من الاستعداد لهذا التغير والاستفادة من منافعه ولفظ مساوئه كما تلفظ النواة .
ولعل مسالة هروب الفتيات هي إحدى نتائج العنف الأسري وتأتني هذه المشكلة بسبب فشل الأسرة في أداء وظائفها في ظل التغيرات المشار إليها والتي أصابت المجتمع ، إضافة إلى تعقد الظروف الأسرية ، وعوامل التحضر وعمل المرأة ، ومع ذلك تبقى الأسرة هي المؤسسة الاجتماعية المكلفة اجتماعياً وأخلاقياً بحماية الفتيات ، علما بان الأسرة العربية بشكل عام تتعامل مع ( اضطهاد الفتيات ) على انه مقبول اجتماعياً وذلك بحجة حمايتهن والمحافظة عليهن . وهناك كذلك ممارسات تمارس تحت شرعية معتقدات خاطئة تربوياً كالخلط بين أدوات التأديب وسوء المعاملة ، والسرية التي تتم بها معالجة مشاكل الفتيات ، لان إماطة اللثام عنها يعد فضيحة اجتماعية ، وتنثر المفردات التي تستخدم في تأنيب الفتيات وزجرهن وتقليل القدرات العقلية لديهن .
ويرى دكتور المقيد أن هناك عدد من الأسباب التي تؤدي إلى هروب الفتيات ، ويلخصها في : العلاقة الأسرية العنيفة خاصة بين الأبوين ، والعنف الجسدي الذي تتعرض له الفتاه . والنشأة دون رمز اسري أو قدوة ، والعوامل الموقفية مثل سيطرة الذكور ، والحالة الاجتماعية ، والمكانة الاجتماعية ، والمعتقدات الثقافية الخاطئة ، والرفاق المنحرفون ، والأماني المبالغ فيها ، وضعف المعتقدات ( الخواء الروحاني ) ، والاضطراب والهيجان والقلق ، وإساءة استثمار أوقات الفراغ . ولقد بينت دراسة أجريت في الولايات المتحدة عام 1996 م أن 7192 من الفتيات هن ضحايا لسوء المعاملة الأسرية ، وفي دراسة لليونسيف تبين أن 47% من الفتيات اللاتي يعملن في تجارة الجنس في دول أمريكا الوسطى كن ضحايا لسوء المعاملة في الأسرة ، وبشكل عام فان الفتيات اللاتي تعرضن إلى إي شكل من إشكال سوء المعاملة خلال فترة طفولتهن هن أكثر احتمالاً للميل نحو العنف والإجرام أكثر من غيرهن .
وبالنظر إلى الوقاية ، هنالك ثلاث أنواع من الوقاية وهي ؛ الوقاية الأولية وهي التي تعنى بمنع الأزمة قبل أن تحدث ، والوقاية الثانوية وهي تعنى بالأزمة بعد حدوثها ، والوقاية الثالوثية وهي التي تعنى بالأزمة قبل انتشارها وقبل أن تصبح مشكلة وظاهرة اجتماعية . كما انه يجب علينا جميعاً التنبه إلى الغزو الثقافي الفاضح من خلال مئات القنوات الفضائية التي تروج لثقافة العري والإباحية ، واقل ما يقال أن هنالك مرقصاً في كل بيت ، والتصدي لهذا الغزو لا يتأتى إلا بالتطعيم الروحي والخلقي وبالضبط الاجتماعي . ولابد من إعادة النظر في الثقافة الاستراحات ، حيث يحلو للإباء أن يقضوا جل أوقاتهم في الاستراحات غير عابئين بمتابعة الأبناء.
وكذلك هنالك من الآباء والأمهات من يفرط في التدليل والمحاباة ، وهناك من هم على النقيض حيث بات الأبناء يعانون من التحجر العاطفي ، كل هذه العوامل تقود الفتيات للعزلة ، ومن ثم يسهل على يسهل على الشياطين استثمار ضعف وتخبط الفتيات وإغوائهن ، ناهيك عن وجود بعض الفتيات من ذوات الأماني العريضة واللاتي يجدن في الماديات منتهى الطموح .
ويؤكد دكتور المقيد في ختام إفادته على أن التنشئة الإيمانية تظل هي الأجدى في ظل هذا التفسخ الإعلامي الا غوائي ، وعلى الفتيات أن يثقن بأنفسهن ، ويثقن بأهلهن ، ويضعن في حسابهن إنهن أمهات المستقبل ، وتقع على أعبائهن وكواهلهن للمسئولية جسيمة ، فالوطن ينتظر هؤلاء الأمهات . ولابد من الرضا بما قسم الله تعالى ، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط ، قال الله تعالى ( وفيضنا لهم قرناء فزينوا لهم مابين أيديهم وما خلفهم وحق القول عليهم في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس أنهم كانوا خاسرين ) وقال الله تعالى ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ) .
هروب الفتيات هروب من الواقع بهذه الكلمات بدا الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بن إبراهيم الشاعر عميد مركز الدراسات والبحوث في جامعة الأمير نايف العربية حديثه ؛ حيث أوضح أن قضية هروب الفتيات من منازل أوليائهن ظاهرة اجتماعية عالمية تؤكد هروبهن من الواقع ؛ إذ أن المتتبع للتغيرات الاجتماعية المعاصرة يلحظ مدى التناقضات القيمة في حياة كثير من الفتيات .
وان بدت هذه " الظاهرة" شخصية انطلاقاً من أن الشخصية هي المنظمة لسلوك الإنسان ، وتميزه عن غيرة من المخلوقات ؛ لما تشمله من عادات وأفكار واتجاهات واهتمامات ؛ فان إفرازات التفاعل البيئي بكل ما تحمله من مفردات ثقافية واجتماعية واقتصادية وتربوية تكمن وراء بروز هذه الظاهرة في كثير من المجتمعات ، إذ أكدت الدراسات الاجتماعية لهذه الظاهرة أن ابرز أسباب المشكلة تكمن في : المشاكل الأسرية، والتربية الصارمة التي ينتهجها الوالدان ( أو احدهما ) تجاه الفتاة ، وكثرة التوبيخ أو الإيذاء البدني أو النفسي ، أو التفريق بين الأبناء ؛ هذا إلى جانب تأثير رفيقات السوء اللاتي غالباً ما يؤثرن سلباً في سلوكيات الفتيات .
ويشير أ . د الشاعر إلى إن هناك عدداً من أنواع الهروب التي تمارسها الفتيات للابتعاد عن واقعهن أو بيئتهن ؛ ومنها الهروب المعنوي ، والهروب المادي، والهروب العضوي نتيجة المعارضة . ويضيف : لعل من أهم أسباب الهروب بين الفتيات ؛ ضعف الوازع الديني ، ومصاحبة صديقات السوء ، التأثير الإعلامي ، التدليل الزائد ، كما أن للممارسات الأسرية المتسلطة على الفتاة من قبل والديها أو إخوتها أو أولياء أمورها لها دور بارز في هروبها للبحث عن بيئة آمنة تراعي على التركيبة النفسية والفسيولوجية لها .
وللحد من هذه الظاهرة يوصي أ . د الشاعر بتوعية الأسرة بأساليب التربية السليمة . وتفعيل دور الأخصائيات الاجتماعيات في المدارس والجامعات ، وكذلك تفعيل دور المساجد والمؤسسات الاجتماعية والتربوية من خلال البرامج التعليمية والثقافية التي تركز على المشكلات التي تواجه الفتاة وأساليب مواجهتها . اختصاصي الإعلام الاجتماعي الدكتور فؤاد توفيق العاني يقول عن هروب الفتيات من المنازل انه ظاهرة من اغرب الغرائب على مجتمعاتنا العربية والإسلامية ، فهي ظاهرة اجتماعية تضاف إلى الظواهر الكثيرة التي تتالى في غزوها العالم اليوم ، سواء على البعد المكاني أو ألزماني .. أنها ظاهرة تدق في إسماعنا كالصاخة ، وتهجم على أبصارنا لتخطف البصر ، ليدعونا ذلك إلى تساؤلات عدة منها : هل بدأنا ندفع ضريبة التقدم المادي والعولمة الإعلامية التقنية ؟ ثم هل في مقدورنا الحد منها قبل استفحالها وفق مفهوم ( الوقاية خير من العلاج ) ؟ وهل من سبيل إلى خروج وكيف ؟ ..
يواصل د. العاني الحديث بأنه لا خلاف في أن الأسرة تعد محور التنظيم الاجتماعي في الإسلام ، إذ هي أبدع خلية ابتكرها العقل الإنساني الرشيد ، لأنها قائمة على فضائل أخلاقية متنوعة ، لعل أهمها فضيلة الإيثار ، فالأسرة المسلمة هي الوسيلة الأكثر فاعلية في عمران الأرض بالذرية الصالحة ، معتمدة ( وجوداً واستمراراً واستقراراً ) على العلاقة الطيبة بين الزوجين في أطار ( الرحمة والمودة والسكينة ) . أن أمنا السيدة ( حواء ) خلقها الله لتؤدي دورها ، ومنة أن تؤنس سيدنا ادم علية السلام ، وخلقها من ضلعه ، ليكون سكن ادم إليها على أتم وجه ، لأنها إذا كانت منه كان السكن والمحبة ابلغ ، كما يسكن الأب إلى ابنة ويحبه محبة نفسه ، لكونه بضعة منه . لقد علمنا الله أن كل شي في الكون قائم على نظام الزوجية ، وقد خلق أبناء ادم وحواء ( ذكوراً وإناثاً ) وجعل لكل منهما خصائص - خلقية وخُلقية يكمل بعضهما بعضاً ، حتى لا يتنافر الجنسان وحتى لا تضيع معالم كل منهما .
أن موضوع ( هروب الفتيات من البيوت ) أضحى موضوع الساعة وحديث المحافل .. أثيرت وتثار حوله تساؤلات كثيرة عن التصدع الأسري وتفكك الأسرة ، والعنف الأسري ، سعياً لدرء المفاسد عن الأسرة وما حل يحل بها ، والحد من المساوئ والآثار السلبية لذلك ، لأنها ذات نتائج تدميريه على بنية المجتمع وقيم الأمة ، ما يفت من عضدها ويهدد أمنها واستقرارها . ومعلوم لدينا جميعاً أن تربية الأبناء مسئولية مشتركة بين الأب وإلام ، وفي وقتنا الحاضر تعاظمت تلكم المسئولية ، نظراً للتحديات التي تواجهها أجيال اليوم ، فالفرص التي تتيحها العولمة بتجلياتها الإعلامية والثقافية والمعرفية توازيها تحديات تتطلب صلابة وقدرة التعامل معها .. فالفضائيات والانترنت والجوال ، مكنت الأبناء من الوصول إلى المعلومات ، لكنها في الوقت نفسه فرضت تحدياً على أخلاقهم وقيمهم وهويتهم ، لذلك وجب التحصين وغرس القيم والأخلاق الحسنة والحفاظ على العادات الايجابية التي تزيد من تماسك الأسرة والأبناء لإبعادهم عن الانحراف ، وذلكم لا يتأتى إلا بوفاق بين الأبوين . وبالتأكيد لا نستطيع أن نتكلم عن الأسرة بعيداً عن محيطها الخارجي ، وهو ( الإعلام والبيئة المحيطة ، والمسجد ، والمدرسة ، والوعظ وأصحاب الدعوة ) كلها مسئولة عن بناء الأسرة .
أن الابن أو الابنة ( الطفل أو الشاب ) لم يعد اليوم هو الطفل المتلقي ، طفل اليوم لدية استيعاب ومعلومات أكثر من والدة في أحيان كثيرة . ويشير د . العاني إلى أن هناك أسباب أخرى - عدا ما يفرزه الأعلام وتدفقه المتسارع من الغث ، فيما يخص أسباب هروب الفتيات - من أبرزها ضعف الوازع الديني . وقرينات السوء والاختلاط بينهن والتبرج ، وانشغال الإباء عن أبنائهم بأمور دنيوية ليس فيها فيها نصيب من الوقت للأبناء ، وأيضاً تفضيل ابن على أخر ، أو إطلاق الحبل على الغارب حتى داخل البيت ، وعدم السؤال عمن تصاحب هذه البنت أو تلك ، هذا فضلاً عما تسببه العنوسة من مشكلات لا تعد ولا تحصى ، والتي تعود أسبابها إلى استبداد الإباء وفرض أرائهم على بناتهم ، خاصة إذا ما كانت هذه البنت موظفة يحجرها الأب في البيت طمعاً في مرتبها ، أو يقوم بتزويجها ممن لا يوافقها في التعليم أو في العمر أو في الوضع الاجتماعي والنفسي ..
ويتساءل دكتور العاني : كيف السبيل إلى حل إذا . ويجيب على تساؤله باستفاضة موضحا أن تشخيص الداء موجود والكل يجمع علية ، علماً بان الدواء موجود في هذا الدين ، لكن من الذي يملك السلطة ليجبر المريض على الدواء .. هذا هو السؤال ؟ ثم ما هو القانون الذي يجبر المريض على ذلك ؟.. أن ما نعتقدة يقيناً هو نظام الإسلام ( نظام السكينة والمودة والرحمة ) .. أن التربية الإسلامية ( وفق المنهج القرآني ) هي المدخل الصحيح لإيجاد الشخصية المسلمة المتزنة ، وذلك لتنشئة جيل عارف لدينه ، متمسك به ، ناشئ على الفضيلة نافر من الرذيلة .. وذلكم يتم من خلال :
التحصين : فهو الأسلوب العلمي لمواجهة الانحراف .
التقويم : وهو الحصة الواقعية من الثقافة الايجابية للتمكين من نقد كل ما هو مستورد وغريب عن قيمنا وتقاليدنا .
المتابعة : وهذه تتمثل في الإشراف اليقظ الواعي من وسائل التوجيه والثقافة ، بحيث لا يفوتها إي جديد فتسرع إليه بالتحصين والتقويم.
ووفي ختام حديثة يقول د . العاني : يبقى القول الأخير للوالدين اللذين يقع عليهما الدور الأكبر ، فينبغي إلا يظهرا خلافاتهما أمام الأبناء ، لاسيما في القضايا الجوهرية الحساسة ، وبالذات أمام البنات لاتصافهن بالضعف والعاطفة والحساسية ، كما يجب الابتعاد عن التدليل الزائد ، وفي الوقت نفسه الابتعاد عن القسوة والصرامة والعنف في التعامل والتربية ، فكلاهما منهجان خاطئان ، فالي الوسطية والاعتدال والاتزان ينبغي لنا أن ندعو .
ويوجه الأستاذ الدكتور محمد المدني بو ساق رئيس قسم العدالة الجنائية بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية نصيحة ثمينة للفتيات حيث يقول : لقد كرم الله ابن ادم وخصه بمزايا وصفات رفعت مكانته وأعظمت شانه ؛ حيث خلقة في أحسن تقويم وجعل له زوجين الذكر والأنثى ، وقد خص الإسلام المرأة بمزيد من الرعاية والعناية والصيانة لتبقى ابد الدهر مكرمة معززة تحوطها رحمة الوالد وحنانة ومودته ، وتحفظها رعاية الزوج وحمايته ، فاوجب الله تعالى لها من الحقوق ما يعد زيادة عما لأخيها الرجل ، وأوصى بها وفرض لها المكانة والاحترام حيث جعل منها جوهرة ثمينة تصان عن كل أذى وتلوث ، فهي تنشا في الحلية والزينة وتكون دائماً مطلوبة لا طالبة ، محبوبة ومرغوبة يسعى إليها الخطاب ولا تسعى هي إليهم ، يحرصون على رضاها وتتمنع لتزداد تألقا ويزيد الطالب لها رغبة ، وإذا انتقلت إلى بيت الزوجية وصلت مكرمة ومعززة ومهابة الجانب تحظي وتحاط بالحب والاحترام ، وإذا أنجبت واعدت الرجال والنساء زاد شرفها وعظم شانها فهي أم الإبطال والملوك والعلماء وأصحاب المهارات العالية ، من مثلها في مملكتها وهي محاطة برعاية وتقدير الرجال ، الجميع يقبل يدها بخشوع وينحنون أمامها ويخفضون جناح الذل ولا تسمع منهم إلا القول الكريم المملوء مودة ورحمة ودعاء خالصاً . فيجب أن تعلم كل فتاة مسلمة أن كرامتها ومجدها مرتبط باحترامها لنفسها وأسرتها ، ويجب أن لا تعرض نفسها للابتذال والمقت والضياع الذي يفضي بها إلى خسارة كل شي ولا يبقى أمامها ألا الخسران .
أن الفتيات اللواتي يتركن أسرهن ويفضحن أهلهن قد قضين على مستقبلهن وبدان مشواراً مظلماً من الضياع والخسران بعد إضاعتهن لعش الأسرة الدافئ الأمين الذي يحيطهن بمحبة ومودة دون انتظار مكافأة أو مصلحة ، ليستبدلن ذلك بالوحوش الكاسرة المفترسة التي لا تعطي شيئاً بالمجان أو لوجه الله ؛ إنما هو العبث بأعراضهن وتدمير كل شي جميل فيهن ثم رميهن بعد ذلك كالخرق البالية أرضهن صخور وسماؤهن رعود ، ويفقدن كل شي ولا يجدن أمامهن ألا الندامة والكارثة والخيبة فضلاً عن مقت الله تعالى وعذابه الأجل والعاجل .
ويختتم أ.د بو ساق إفادته بتوجيه النصح للفتيات قائلاً : يا معشر الفتيات اتقين الله في أنفسكن والتزمن أسركن مهما كانت الظروف فان الأسرة جنة ورحمة وصيانة .
ظاهرة هروب الفتيات من منازلهن.. هل هي ظاهرة أم مجرد حالات فردية؟ وكيف يمكن التعامل معها وما هي الفترة العمرية التي تنتشر بها؟
لاتعتبر ظاهرة بل هي حالات فردية والفترة العمرية التي تنتشر بها من سن 14 إلى 15 سنة ولعل الخطورة تنبع من اننا نعيش في ظل اعراف وقيم اجتماعية تغفر للذكور ولا تغفرللاناث وتحاسبهن بكل قسوة بل يمتد هذا العقاب ويشمل الاسرة بأكملها فهروب الاناث من وجهة نظري يمس الاسرة وسببه تعامل الاسرة بكل قسوة وشدة دون التعرف على اسباب ذلك السلوك أو تكتم الامر خصوصاً على سمعتهن وفي كلا الحالتين تلك المعالجة تكون خاطئة فيجب دراسة تلك المشكلة دراسة علمية تصل من خلالها إلى تجديد اسباب حدوثها وكيفية علاجها بل والوقاية منها فهي مشكلة في غاية الخطورة.
هل هناك سمات خاصة للفتاة الهاربة؟
طبعاً هناك سمات خاطئة للفتاة الهاربة فهي منحرفة دائماً وتلجأ للهروب وسلوكها غير سوي.
ما أثر وسائل الاعلام المختلفة في استفحال ظاهرة «هروب الفتيات» وهل يعتبر تقليدا للغرب؟ وهل انفصال الوالدين له أثر في المشكلة؟ وما دور المدرسة والاسرة في حل هذه المشكلة؟
ليس تقليداً للغرب بل ترجع ظاهرة الهروب للمشاكل داخل الاسرة والتصدع الاسري ولوسائل الاعلام المختلفة وللاستخدام السلبي للوسائل الحديثة مثل الكمبيوتر والانترنت والقنوات الفضائية والهواتف النقالة وحل هذه الظاهرة يتطلب عودة المدرسة إلى الدور التربوي وعدم الاكتفاء بالتحصيل الدراسي فقط وان يكون المدرس نموذجاً ومثالاً يتحذى به وان يوجد بالمدرسة اخصائي نفسي واجتماعي يكون له دور اساسي في متابعة الانماط السلوكية الشاذة داخل المدرسة والعمل على القضاء عليها وبالنسبة للدور الاسري فلا بد من وجود مكاتب ومؤسسات تقيم دورات للمقبلين على الزواج وامدادهم بالاساليب التربوية السليمة المفروض اتباعها داخل الاسرة ومتابعة المشاكل الاسرية الطارئة ويجب على الاسرة عدم ترك الاحداث بل مراقبتهم ومتابعتهم ورفع الوازع الديني لديهم.
موضوعات ذات علاقة
http://www.b-99.com/vb/t110879.html